اليمن على مفترق الدولة والانقسام (تقدير موقف)

يمر اليمن في هذه المرحلة بلحظة فارقة تتجاوز في أهميتها طبيعة القرارات الظاهرة إلى عمق التحول في فلسفة إدارة الصراع نفسها، وما يجري لا يمكن توصيفه بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا أو إعادة ترتيب شكلية في مراكز النفوذ، بل هو انتقال بطيء ومحسوب من مرحلة إدارة الانقسام والتوازنات الهشّة إلى محاولة إعادة بناء مركز قرار سيادي موحّد، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، بعد سنوات من التفكك المقصود وغير المقصود.
هذا التحول جاء نتيجة تراكم فشل واضح في نماذج الشراكة القسرية، سواء مع جماعات انقلابية في الشمال أو مشاريع سياسية مسلحة في الجنوب، إضافة إلى إدراك متأخر بأن استمرار هذا النمط لم يعد يهدد فقط بقاء الدولة، بل يهدد الأمن الإقليمي والمصالح الدولية المرتبطة بالبحر الأحمر والملاحة الدولية.
إعادة ضبط القرار
القرارات الأخيرة التي اتخذها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، بإعادة تشكيل مجلس القيادة والحكومة تمثل نقطة انعطاف حقيقية في بنية السلطة، القرارات لا يمكن قراءتها باعتبارها استهدافًا لمكوّن بعينه، بل باعتبارها عملية فرز سيادي بين من يعمل داخل إطار الدولة ومن حاول استخدام الدولة كغطاء لمشروع موازٍ.
إحلال شخصيات جنوبية ذات خلفية مؤسسية مكان قيادات ارتبطت بمشاريع سياسية مسلحة يعبّر عن إعادة تعريف الشراكة السياسية على أساس الالتزام بالدولة، لا على أساس الجغرافيا أو الخطاب التعبوي.
اختيار شخصيات مثل سالم الخنبشي، القادم من حضرموت، واللواء محمود الصبيحي، وزير الدفاع السابق الذي واجه الحوثيين منذ لحظة الانقلاب الأولى، يعكس توجّهًا واضحًا لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة في الجنوب، لا الجنوب ككيان خارجها.
التحول الحاسم
إسقاط عيدروس الزبيدي من عضوية مجلس القيادة الرئاسي يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الشرعية اليمنية، فهو لا يختزل في بعد شخصي أو تنظيمي، بل يمثل إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة إدارة الصراع الداخلي عبر التسويات المؤقتة والتوازنات الهشة.
طوال السنوات السابقة، حاولت الشرعية التعايش مع واقع مفارق لمنطق الدولة، خوض حرب وجودية ضد انقلاب الحوثي في الشمال، بينما تمنح في الجنوب غطاءً سياسيًا لمشروع مسلح انفصالي يمتلك قواته وخطابه السياسي المستقل.
وجود الزبيدي داخل مجلس القيادة لم يكن مجرد تمثيل سياسي للجنوب، بل أداة تعطيل ممنهجة لأي محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفقًا لشهادات الجميع التي خرجت بعد سقوطه، فاستمرار عضويته كان يعني استمرار ازدواجية السلطة، تعطيل المؤسسات الأمنية والقضائية، وتقييد قدرة الدولة على فرض القانون، خصوصًا في العاصمة المؤقتة عدن ومحيطها.
قرار الإطاحة به جاء بعد تقييم معمق لإدراك الشرعية بأن أي تأجيل للحسم سيعني ترسيخ نموذج “الدولة المجزأة”، وهو نموذج لا يُنتج سلامًا أو انتصارًا، بل يطيل أمد الحرب ويعمّق الانقسامات.
من منظور أمني، كان القرار ضرورة لإعادة احتكار القوة المشروعة، ومن منظور عسكري خطوة لإعادة ضبط السلسلة القيادية، ومن منظور سياسي محاولة أخيرة لاستعادة معنى الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار.
والقرار بحد ذاته يعكس إدراكًا متأخرًا لكنه حاسم أن أي دولة لا يمكن أن تنتصر على انقلاب مسلح شمالًا إذا تواطأت مع مشاريع انفصالية جنوبًا، وأن المستقبل الاستراتيجي للبلاد يعتمد على القدرة على توحيد القرار السياسي والعسكري ضمن إطار الدولة.
إعادة تركيب مجلس القيادة
تعيين سالم الخنبشي واللواء محمود الصبيحي في مجلس القيادة جاء كخطوة استراتيجية لإعادة ضبط التوازن الجنوبي ومنع الفراغ السياسي بعد إسقاط المجلس الانتقالي أو بالأصح حله.
فاختيار الخنبشي، الذي قاد معركة استعادة حضرموت، يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد الشخصي، فهو يمثل المحافظات الشرقية التي ظلّت خارج معادلة القرار الجنوبي، رغم أنها الأكثر تماسكًا اجتماعيًا والأقل تورطًا في مشاريع العنف والتفكيك، وإدخاله يرسل رسالة واضحة مفادها أن الجنوب ليس كتلة صلبة واحدة، وأن تمثيله لا يمكن اختزاله في عدن والضالع ولحج وحدها، كما يضع أسسًا لتسوية تفاوضية تشمل كل المكونات الجنوبية وفق مصالحها التاريخية والجغرافية.
أما اللواء محمود الصبيحي، فهو عنصر رمزي واستراتيجي في آن واحد، كونه خاض تجربة مواجهة مباشرة مع الحوثي، وعانى الأسر والفصل القسري، فإن حضوره يوازن النفوذ السياسي بشخصية عسكرية وطنية، ويعيد الاعتبار لمنطق التضحية الوطنية، ويشكل جدار حماية للقرار السياسي ضد محاولات استغلال التوترات الداخلية، وهذا التكوين الجديد يعكس إدراك القيادة لأهمية ربط البعد العسكري بالقرار السياسي، لضمان أن أي مواجهة مستقبلية، سواء شمالية أو جنوبية، تُدار ضمن إطار الدولة، لا ضمن مصالح فئوية أو حزبية.
بهذا التشكيل، يسعى مجلس القيادة إلى إعادة شرعية متعددة الأبعاد، قادرة على مخاطبة الجنوب دون خضوع لمطالب أحادية، ومواجهة الحوثي دون الوقوع في فخ التنازلات الاستراتيجية، بما يحقق موازنة دقيقة بين الأمن السياسي والاستقرار العسكري والخدمة الاقتصادية.
إعادة ضبط الأداء التنفيذي
حكومة سالم بن بريك حققت منذ توليها مهامها إنجازات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة منذ 2013، كان أبرزها استقرار العملة، الحفاظ على وظائف الدولة الأساسية، إدارة ملفات الدعم والخدمات الأساسية، واحتواء التوترات الأمنية في مناطق نفوذها، هذه الإنجازات جعلت من الحكومة نموذجًا للحكم الفعّال ضمن ظروف صعبة للغاية، حيث تتقاطع ضغوط التحالف، الانقسامات السياسية، والمخاطر الأمنية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
إلا أن التغيير إلى شائع الزنداني لا يمكن قراءته على أنه فشل إداري، بل كخطوة سياسية واستراتيجية دقيقة، فهي ترتبط برغبة مجلس القيادة في توحيد الأداء الحكومي مع التغييرات السياسية والأمنية في المجلس، وربط التنفيذ بالقرار العسكري، وضمان قدرة الحكومة على التعامل مع المرحلة الانتقالية المعقدة.
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن الهدف من هذا التغيير ليس نكران إنجازات بن بريك، بل حماية هذه الإنجازات وضمان استمرارها ضمن خطة وطنية شاملة، ومنع استغلال أي نجاح اقتصادي أو إداري من قبل الأطراف السياسية المناوئة كأداة ضغط على الدولة.
كما أن الحكومة الجديدة مؤهلة للتعامل مع متغيرات مستقبلية، سواء في الجنوب أو الشمال، مع التركيز على إعادة ضبط العلاقات بين السلطة التنفيذية والمجلس الرئاسي، وتأمين تنفيذ القرارات الصعبة التي قد تتطلب مواجهات سياسية أو عسكرية.
تحركات الإخوان المسلمين
في الوقت نفسه، شهد المشهد السياسي تحركات واضحة من حزب الإصلاح، الذراع السياسية للإخوان في اليمن، بهدف التأثير على التحالف العربي ورئيس مجلس القيادة، ومحاولة إعادة إنتاج الأخطاء السابقة التي أدت إلى انهيار الجيش اليمني في 2012–2013 وسقوط صنعاء، جوهر هذا التحرك هو استهداف المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، باعتبارها القوة الأكثر انضباطًا، نجاحًا ميدانيًا، واستقلالية عن النفوذ الحزبي، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لمشاريع الإخوان في الجنوب.
المقاومة الوطنية، التي وصلت في 2018 رفقة ألوية العمالقة، إلى مشارف موانئ الحديدة، تمثل العمود الفقري لأي قدرة مستقبلية على الحسم العسكري ضد الحوثي، أي محاولة لإضعافها أو دمجها قسرًا ضمن تشكيلات مخترقة حزبيًا سيؤدي إلى تفكيك هذه القوة، وإعادة إنتاج بيئة الانقسامات السابقة، ويعطي الحوثي فرصة لإعادة ترتيب صفوفه دون أي تكلفة حقيقية.
من منظور استراتيجي، الحفاظ على هذه القوة، تطويرها، وإدماجها ضمن هيكل الدولة الوطني يظل شرطًا أساسيًا لأي حل سياسي أو عسكري مستدام، فنجاح الدولة في المدى القصير مرتبط بقدرتها على حماية هذه الأداة، بينما أي خطأ في هذا المسار سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها التي شهدتها البلاد منذ عشر سنوات.
قد يكون هناك أهداف سرية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وذراعه السياسي في اليمن، للتخلص من كل القوى الوطنية والجيوش المنظمة، ولعل الهجوم الكبير على قائد تلك المقاومة الوطنية، والمطالبة بإقصائها أو دمجها في مكون أو تشكيل عسكري آخر، يهدف للقضاء عليها، وهذا يبرز من خلال الخطاب الإعلامي للجماعة والهجوم الكبير عليها.
استراتيجية الإخوان المسلمين في أي منطقة، هو استغلال حالة ضعف الدولة وقوتها العسكرية للسيطرة على القرار السياسي والدولة، كما حدث في 2012 حتى 2020 في اليمن، و2011-213 في مصر، عندما سيطرة الجماعات على الدولة، ويبدو هنا أن الجماعة تريد العودة من اليمن بعد أن شدد الخناق عليها دوليًا، وترى في اليمن ساحة مناسبة لها، وترفض أي قوات عسكرية منضبطة وقوية، قد يشكل عائق لعودتها للمنقطة من جديد.
مؤشر على التحولات الشعبية
المظاهرات التي شهدتها عدن، بمشاركة حوالي من 30 ألف إلى خمسين ألف شخص، تعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجلس الانتقالي على التعبئة بعد سقوطه السياسي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحولات مهمة في المزاج الشعبي الجنوبي.
على الرغم من حجم الحشد، فإن القدرة على فرض معادلة سياسية جديدة ضعفت مقارنة بالماضي، ما يعكس إرهاق المواطنين من الصراعات المستمرة، وارتفاع مستوى الوعي بالتكلفة الأمنية والاقتصادية للفوضى.
الخطاب المصاحب لهذه المظاهرات، المتمثل في التمسك بإعلان دستوري، يظهر فجوة متنامية بين قيادة المجلس الانتقالي وقواعدها الشعبية، التي أصبحت أكثر اهتمامًا بالأمن والخدمات من الانخراط في صراعات سياسية رمزية.
هذا التغيير في الوعي الشعبي يمثل فرصة للدولة إذا أحسنت إدارة المرحلة، لكنه قد يتحول إلى تهديد إذا ترك دون ضبط أو استثمار استراتيجي.
السيناريوهات المستقبلية
مما سبق، اليمن أو الحكومة الشرعية أمام ثلاثة سيناريوهات، مفصلية، لاسيما بعد دعوة رئيس مجلس القيادة إلى حوار جنوبي-جنوبي، برعاية المملكة العربية السعودية، والقرارات التي أتخذت، والمظاهرات التي بدأت تستعيد عافيته منذ سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي.
السيناريو الأول: نجاح الحوار الجنوبي–الجنوبي برعاية سعودية، والوصول إلى صيغة عادلة لمعالجة المطالب الجنوبية ضمن إطار دولة اتحادية متعددة الأقاليم، مع فرض الدولة لأمنها وتنفيذ المخرجات بشكل واضح.
السيناريو الثاني: فشل الحوار بسبب إصرار المجلس الانتقالي على مخرجات مسبقة، ودفعه إلى التصعيد الأمني المحدود، ما قد يفرض على الدولة خيار الحسم العسكري، مع كلفته العالية، لكنه يفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف المشروع الانفصالي.
السيناريو الثالث: تراجع الدولة تحت الضغط وإعادة تدوير التسويات السابقة، ما يعيد إنتاج الانقسام ويمنح الحوثي فرصة استراتيجية لإعادة المبادرة، وبالتالي تمديد الحرب وعدم استقرار الجنوب والشمال على حد سواء.
توصيات
بناء على التجارب السابقة لابد من حماية المقاومة الوطنية المنضبطة وعدم المساس باستقلاليتها لضمان القدرة على الحسم العسكري ضد الحوثي، ودعم الحكومة الحالية، وتفادي أي تدخل سياسي يعطل تنفيذ القرارات، مع الحفاظ على إنجازات حكومة بن بريك السابقة.
فرض الأمن والسيادة في الجنوب لمنع أي محاولة لتشكيل قوات موازية أو خلق فوضى مسلحة، مع أهمية إدارة الحوار الجنوبي–الجنوبي بصرامة، مع توظيف الدعم السعودي والإقليمي لضمان الالتزام بتنفيذ المخرجات.
مراقبة تحركات حزب الإصلاح والإخوان لمنع أي محاولات لتفكيك القوات المنضبطة أو التأثير على التحالف العربي، أو استغلال الأحداث السياسية، لمواصلة الانقسامات الداخلية، لاسيما الخطاب الإعلامي المتشنج من قبل وسائلها الإعلامية ونشطاء الجماعة.
رصد المزاج الشعبي في عدن وبقية المحافظات الجنوبية لضمان توافق القرارات السياسية مع مطالب المواطنين اليومية، وتجنب استغلال الانقسامات لصالح الحوثي أو أي قوة أخرى.
الخلاصة:
اليمن أمام مفترق طرق حقيقي، فإعادة بناء الدولة تتطلب حسمًا استراتيجيًا لمركز القرار، حماية القوى العسكرية المنضبطة، وفرض سيادة الدولة على كل الأراضي والمجالات الحيوية، مع الاستفادة من الدروس التاريخية لمنع إعادة إنتاج الأخطاء السابقة.
المرحلة الحالية ليست مجرد إدارة أزمة أو توازنات مؤقتة، بل إعادة صياغة كاملة للسلطة، مع ضرورة إدماج الجنوب ضمن إطار وطني متماسك، وتوفير أدوات الحسم ضد الحوثي، سواء سياسيًا أو عسكريًا، لضمان استقرار طويل المدى.
•محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني